ندى ياقوت.. حكاية وجع وغموض بعد تخلي الأب وصدمة الأم والقرض الذي قلب حياتها

الإثنين، 18 مايو 2026 05:04 م

فقدان حنان الاب

فقدان حنان الاب

كتب / هبه حسن

في شوارع السويس الهادية، وبين زحمة الوجوه اللي كل واحد فيها شايل همه، كانت ندى ياقوت درويش تمشي كل يوم وكأنها بتحارب العالم وحدها، بنت صغيرة في السن فى عشرينات، لكن الحياة حمّلتها فوق طاقتها بسنين طويلة،من منطقة العبور أمام كلية التجارة، بدأت حكاية مليانة بالحزن والغموض، حكاية بنت كانت فاكرة إن العيلة سند، لكن اكتشفت متأخر إن أقرب الناس ممكن يكونوا أصعب وجع.

ندى تحكي بصوت متكسر: “بابا سايبني بقاله كذا سنة، اختفى من حياتي وكأننا ماكناش ولاده ناس كتير جدًا حاولت تتدخل وترجعه أو حتى يتحمل مسؤوليته، لكن محدش قدر عليه”. سنوات مرت وهي تشاهد البنات في عمرها يجدن الأمان في حضن الأب، بينما كانت هي تواجه الدنيا وحدها، تبحث عن أي شعور بالاطمئنان فلا تجد سوى الخذلان.

ومع ضيق الحياة وزيادة الأعباء، أصبحت الأم هي الأمل الأخير بالنسبة لها. كانت ندى تصدق كل كلمة تسمعها منها، خاصة حين اشتدت الأزمة المالية داخل البيت ، طلبت منها والدتها أن تأخذ قرضًا باسمها لتسديد ديون متراكمة ووعدتها بأنها ستتكفل بسداد كل شيء. لم تتردد ندى لحظة، لأنها كانت ترى أن مساعدة أمها واجب، حتى لو دفعت عمرها كله ثمنًا لذلك.

لكن الصدمة جاءت أقسى مما تخيلت. بعد أن حصلت على القرض وبدأت المشاكل تتفاقم، وجدت نفسها وحدها في المواجهة.

تقول ندى بحرقة: “بعد ما ساعدتها قالتلي اتسجني… أنا معرفكيش، القرض باسمك مش باسمي”. كلمات قليلة، لكنها كانت كفيلة بهدم ما تبقى داخل قلبها. في تلك اللحظة شعرت أن الأرض سُحبت من تحت قدميها، وأنها أصبحت غريبة حتى داخل بيتها.

تحولت حياة الفتاة إلى دائرة من الخوف والضغوط النفسية، لم تعد تفكر في أحلامها أو مستقبلها الجامعي، بل أصبحت تفكر فقط في كيفية النجاة من يوم جديد. تعمل فرد أمن داخل مستشفى لمدة 8 ساعات يوميًا، تحاول من خلال هذا العمل البسيط أن توفر احتياجات المعيشة وتسدد جزءًا من الديون التي طاردتها بلا رحمة. وبين ساعات العمل الطويلة والإرهاق النفسي، لم تعد قادرة على الذهاب إلى الجامعة بشكل منتظم، رغم أن التعليم كان حلمها الوحيد للخروج من هذه الدوامة.

ورغم كل ذلك، لا تزال ندى تحمل بداخلها شيئًا من الصبر. تحاول البحث عن عمل أفضل يناسب ظروفها ويساعدها على استكمال حياتها دون أن تنهار تمامًا. لكن الغموض يظل يحيط بحكايتها؛ كيف يمكن لفتاة في هذا العمر أن تتحمل كل هذه القسوة؟ وكيف يتحول الأمان العائلي إلى خوف دائم من السجن والضياع؟

قصة ندى ليست مجرد أزمة مالية، بل حكاية وجع إنساني عميق تعيشه فتاة وجدت نفسها وحيدة في مواجهة الحياة، بعدما تخلى عنها الأب وكسرتها خيبة الأم. وبين شوارع السويس وضجيج المستشفى وصمت الليل الطويل، تظل ندى تبحث فقط عن فرصة واحدة للنجاة، وعن يد تمتد إليها قبل أن تبتلعها الحياة أكثر.

search